روضة 4
الجزء الأول من حديث 1قصة الثلاثة الذين خُلِّفوا
(تمت قسمة الحديث إلى جزئين نظرا لطوله)
21- وعَنْ عبْدِ اللَّهِ بنِ كَعْبِ بنِ مَالكٍ ، وكانَ قائِدَ كعْبٍ رضِيَ الله عنه مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ، قال : سَمِعْتُ كعْبَ بن مَالكٍ رضِي الله عنه يُحَدِّثُ بِحدِيِثِهِ حِين تخَلَّف عَنْ رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم ، في غزوةِ تبُوكَ . قَال كعْبٌ : لمْ أَتخلَّفْ عَنْ رسولِ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم ، في غَزْوَةٍ غَزَاها إِلاَّ في غزْوَةِ تَبُوكَ ، غَيْر أَنِّي قدْ تخلَّفْتُ في غَزْوةِ بَدْرٍ ، ولَمْ يُعَاتَبْ أَحد تَخلَّف عنْهُ ، إِنَّما خَرَجَ رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم والمُسْلِمُونَ يُريُدونَ عِيرَ قُريْش حتَّى جَمعَ الله تعالَى بيْنهُم وبيْن عَدُوِّهِمْ عَلَى غيْرِ ميعادٍ . وَلَقَدْ شهدْتُ مَعَ رسولِ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم ليْلَةَ العَقبَةِ حِينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الإِسْلامِ ، ومَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشهَدَ بَدْرٍ ، وإِن كَانتْ بدْرٌ أَذْكَرَ في النَّاسِ مِنهَا وكان من خبري حِينَ تخلَّفْتُ عَنْ رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم ، في غَزْوَةِ تبُوك أَنِّي لَمْ أَكُنْ قَطُّ أَقْوَى ولا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخلَّفْتُ عَنْهُ في تِلْكَ الْغَزْوَة ، واللَّهِ ما جَمعْتُ قبْلها رَاحِلتيْنِ قطُّ حتَّى جَمَعْتُهُما في تلك الْغَزوَةِ ، ولَمْ يكُن رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يُريدُ غَزْوةً إِلاَّ ورَّى بغَيْرِهَا حتَّى كَانَتْ تِلكَ الْغَزْوةُ ، فغَزَاها رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم في حَرٍّ شَديدٍ ، وَاسْتَقْبَلَ سَفراً بَعِيداً وَمَفَازاً. وَاسْتَقْبَلَ عَدداً كَثيراً ، فجَلَّى للْمُسْلمِينَ أَمْرَهُمْ ليَتَأَهَّبوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ فَأَخْبَرَهُمْ بوَجْهِهِمُ الَّذي يُريدُ ، وَالْمُسْلِمُون مَع رسول الله كثِيرٌ وَلاَ يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ « يُريدُ بذلكَ الدِّيَوان » قال كَعْبٌ : فقَلَّ رَجُلٌ يُريدُ أَنْ يَتَغَيَّبَ إِلاَّ ظَنَّ أَنَّ ذلكَ سَيَخْفى بِهِ مَا لَمْ يَنْزِلْ فيهِ وَحْىٌ مِن اللَّهِ ، وغَزَا رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم تلكَ الغزوةَ حين طَابت الثِّمَارُ والظِّلالُ ، فَأَنا إِلَيْهَا أَصْعرُ ، فتجهَّز رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم وَالْمُسْلِمُون معهُ ، وطفِقْت أَغدو لِكىْ أَتَجَهَّزَ معهُ فأَرْجعُ ولمْ أَقْض شيئاً ، وأَقُولُ في نَفْسى: أَنا قَادِرٌ علَى ذلك إِذا أَرَدْتُ، فلمْ يَزلْ يتمادى بي حتَّى اسْتمَرَّ بالنَّاسِ الْجِدُّ ، فأَصْبَحَ رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم غَادياً والْمُسْلِمُونَ معَهُ ، وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جهازي شيْئاً ، ثُمَّ غَدَوْتُ فَرَجَعْتُ وَلَم أَقْض شَيْئاً ، فَلَمْ يزَلْ يَتَمادَى بِي حَتَّى أَسْرعُوا وتَفَارَط الْغَزْوُ ، فَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِل فأَدْركَهُمْ ، فَيَاليْتَني فَعلْتُ ، ثُمَّ لَمْ يُقَدَّرْ ذلك لي ، فَطفقتُ إِذَا خَرَجْتُ في النَّاسِ بَعْد خُرُوجِ رسُول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يُحْزُنُنِي أَنِّي لا أَرَى لِي أُسْوَةً ، إِلاَّ رَجُلاً مَغْمُوصاً عَلَيْه في النِّفاقِ ، أَوْ رَجُلاً مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ تعالَى مِن الضُّعَفَاءِ ، ولَمْ يَذكُرني رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم حتَّى بَلَغ تَبُوكَ ، فقالَ وَهُوَ جَالِسٌ في القوْمِ بتَبُوك : ما فَعَلَ كعْبُ بْنُ مَالكٍ ؟ فقالَ رَجُلٌ مِن بَنِي سلِمة : يا رسول الله حَبَسَهُ بُرْدَاهُ ، وَالنَّظرُ في عِطْفيْه . فَقال لَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رضيَ اللَّهُ عنه . بِئس ما قُلْتَ ، وَاللَّهِ يا رسول الله مَا عَلِمْنَا علَيْهِ إِلاَّ خَيْراً ، فَسكَت رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم. فبَيْنَا هُوَ علَى ذلك رَأَى رَجُلاً مُبْيِضاً يَزُولُ به السَّرَابُ ، فقالَ رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم : كُنْ أَبَا خَيْثمَةَ ، فَإِذا هوَ أَبُو خَيْثَمَةَ الأَنْصَاريُّ وَهُوَ الَّذي تَصَدَّقَ بصاع التَّمْر حين لمَزَهُ المنافقون قَالَ كَعْبٌ : فَلَّما بَلَغني أَنَّ رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَدْ توَجَّهَ قَافلا منْ تَبُوكَ حَضَرَني بَثِّي ، فطفقتُ أَتذكَّرُ الكذِبَ وَأَقُولُ: بِمَ أَخْرُجُ من سَخطه غَداً ، وَأَسْتَعينُ عَلَى ذلكَ بِكُلِّ ذِي رَأْي مِنْ أَهْلي ، فَلَمَّا قِيلَ : إِنَّ رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قدْ أَظِلَّ قادماً زاحَ عَنِّي الْبَاطِلُ حَتَّى عَرَفتُ أَنِّي لم أَنج مِنْهُ بِشَيءٍ أَبَداً فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ ، وأَصْبَحَ رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَادماً ، وكان إِذا قدمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بالْمَسْجد فرَكعَ فيه رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلس للنَّاس ، فلمَّا فعل ذَلك جَاءَهُ الْمُخلَّفُونَ يعْتذرُون إِليْه وَيَحْلفُون لَهُ ، وكانوا بضعاً وثمَانين رَجُلا فقبل منْهُمْ عَلانيَتهُمْ وَاسْتغفَر لهُمْ وَوَكلَ سَرَائرَهُمْ إِلى الله تعَالى . حتَّى جئْتُ ، فلمَّا سَلَمْتُ تبسَّم تبَسُّم الْمُغْضب ثمَّ قَالَ : تَعَالَ، فجئتُ أَمْشي حَتى جَلَسْتُ بيْن يَدَيْهِ ، فقالَ لِي : مَا خَلَّفَكَ ؟ أَلَمْ تكُنْ قد ابْتَعْتَ ظَهْرَك، قَالَ قُلْتُ : يَا رَسُولَ الله إِنِّي واللَّه لَوْ جلسْتُ عنْد غيْركَ منْ أَهْلِ الدُّنْيَا لَرَأَيْتُ أَني سَأَخْرُج منْ سَخَطه بعُذْرٍ ، لقدْ أُعْطيتُ جَدَلا ، وَلَكنَّي وَاللَّه لقدْ عَلمْتُ لَئن حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حديث كَذبٍ ترْضى به عنِّي لَيُوشكَنَّ اللَّهُ يُسْخطك عليَّ ، وإنْ حَدَّثْتُكَ حَديث صدْقٍ تجدُ علَيَّ فيه إِنِّي لأَرْجُو فِيه عُقْبَى الله عَزَّ وَجلَّ ، واللَّه ما كان لِي من عُذْرٍ ، واللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلا أَيْسر مِنِّي حِينَ تَخلفْتُ عَنك قَالَ : فقالَ رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم : « أَمَّا هذَا فقَدْ صَدَقَ ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضيَ اللَّهُ فيكَ » وثَارَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلمة فاتَّبعُوني ، فقالُوا لِي : واللَّهِ مَا عَلِمْنَاكَ أَذنْبتَ ذَنْباً قبْل هذَا ، لقَدْ عَجَزتَ في أن لا تَكُون اعتذَرْت إِلَى رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم بمَا اعْتَذَرَ إِلَيهِ الْمُخَلَّفُون فقَدْ كَانَ كافِيَكَ ذنْبَكَ اسْتِغفارُ رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم لَك . قَالَ : فوالله ما زَالُوا يُؤنِّبُوننِي حتَّى أَرَدْت أَنْ أَرْجِعَ إِلى رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فأَكْذِب نفسْي ، ثُمَّ قُلتُ لهُم : هَلْ لَقِيَ هَذا معِي مِنْ أَحدٍ ؟ قَالُوا : نَعَمْ لقِيَهُ معك رَجُلان قَالا مِثْلَ مَا قُلْتَ ، وقيل لَهمَا مِثْلُ مَا قِيلَ لكَ ، قَال قُلْتُ : مَن هُمَا ؟ قالُوا : مُرارةُ بْنُ الرَّبِيع الْعَمْرِيُّ ، وهِلال ابْن أُميَّةَ الْوَاقِفِيُّ ؟ قَالَ : فَذكَروا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْن قدْ شَهِدا بدْراً فِيهِمَا أُسْوَةٌ . قَالَ : فَمَضيْت حِينَ ذَكَروهُمَا لِي ...
لغة الحديث :
تبوك : اسم موضع في اتجاه الشمال من المدينة النبوية .
تخلَّف : لم يخرج معه إلى الجهاد .
بدر : اسم بئر ماء بين مكة والمدينة، وبه سمي المكان الذي وقعت فيه المعركة المشهورة بين الرسول -صلى الله عليه وسلم- والمشركين .
العِير : الإبل التي عليها أحمالها .
ميعاد : موعد واتفاق .
ليلة العقبة : وهي الليلة التي بايع فيها الأنصار النبي -صلى الله عليه وسلم- على الإسلام وأن يؤيدوه وينصروه ، وهي بيعة العقبة الثانية .
تواثقنا : تبايعنا عليه وتعاهدنا .
ما أُحبُّ أن لي بها مشهد بدر : أي ما أحب أن أكون شهدت بدراً بدلا عن أشهد ليلة العقبة .
أذكَرُ : أشهر ذكراً (أكثر شهرةً) في الفضيلة .
وَرَّى : أي أخفى مقصده وأظهرَ غيره ، وذلك بأن يذكر كلاماً يحتمل مقصده ويحتمل شيئاً آخر، وقد يفهم السامع أنه هو المقصود
مفازاً : ويقال مفازة ، وهي الأرض الفلاة التي لا ماء فيها .
فجَلَّى : قام بتوضيح الوجهة هنا ليستعدوا بما يحتاجون إليه في سفرهم .
الأهبة : العدة
بوجههم : بمقصدهم الذي يتجهون إليه .
طابت : أينعت ونضجت
أصعرُ : أمِيلُ .
طفقتُ : جعلت، وهي من الأفعال التي تسمى في النحو أفعال الشروع وهي ترفع الاسم وتنصب الخبر .
الجد : الاجتهاد في أمر السفر وشؤونه .
جهازي : حاجيات سفري .
مغموصاً : مطعوناً في دينه .
فقال رجل من بني سلمة : بنو سلمة بطن من الأنصار والرجل هو عبد الله بن أنيس .
حبسه : منعه من الخروج.
برداه : مثنى بُرد وهو الإزار أو الرداء ، والبرود ثياب من اليمن فيها خطوط .
عطفيه : جانبيه.
وجملة "حَبَسَهُ بُرْدَاهُ ، وَالنَّظرُ في عِطْفيْه" كناية عن العجب والكبر .
مبيضاً : لابس البياض .
يزول به السراب : يتحرك ، والسراب ما يظهر للإنسان من بعد كالماء وقت اشتداد الحر .
لمزه : طعن فيه .
قافلاً : راجعاً .
بثي : البث أشد الحزن .
أظلَّ قادماً : أقبل ودَنَا .
زاح : زال وذهب .
أبداً : الأبد الزمن المستقبل .
أجمعتُ : عزمت .
ابتعت : اشتريت .
ظهرك : الظهر هي الإبل التي تركب .
تجد علي : تغضب
عُقبى الله عز وجل : أن يعقبني الله خيراً بتوبته علي وإرضاء نبيه عني .
ثار رجال : وثبوا ونهضوا .
يؤنبونني : يلومونني أشد اللوم .
أسوة : قدوة
أفاد الحديث :
أفاد الحديث :
-
صراحة المسلم وصدقه ، واعترافه بتقصيره وعدم تلفيقه الأعذار.
-
خطته -صلى الله عليه وسلم- الحكيمة على الصعيد العسكري ، كمحافظته على سِرِّية الخطط وحسن تقديره للموقف ، وعدم تغريره بجنده ، ووضعهم في الصورة الواقعية حتى يكونوا على مستوى المهمة الملقاة على عاتقهم.
-
اندفاع المسلمين إلى الجهاد في سبيل الله عز وجل عن رضا وطواعية رغم ما كانوا عليه من شدة ومخمصة.
-
عدم التردد في التطوع ، والمبادرة بأخذ الأهبة والاستعداد.
-
تألم المسلم من تقصيره في أداء الواجب ، وحرصه أن لا يكون من المتخلفين أو المنافقين.
-
صراحة الصحابة رضي الله عنهم وصدقهم مع النبي -صلى الله عليه وسلم- وقولهم الحق ولو كان على أنفسهم.
-
يُعامل الإنسان على ظاهره ويترك أمر باطنه إلى الله تعالى.
-
لا يعفي المنافق من المسؤولية انتحاله الأعذار وتزيينه الباطل.
-
الاقتداء بأهل الصلاح والتقوى والتشبه بهم في السلوك والأخلاق.
-
عدم الاكتراث بأهل النفاق والفسوق ، وتركهم للأيام تفضحهم وتذلهم.
-
وجوب مقاطعة من ظهرت منه المعصية ، بعدم مخالطته وترك السلام عليه والرد على سلامه وغير ذلك من دواعي المقاطعة مما يشعره بالهوان حتى يُقلع عن الذنب ويُظهر التوبة.
-
ندم المؤمن وتألمه على ما فرَّط من فعل المعصية ، والبكاء حزنا على ما اقترفت يداه.
- برنامج التأهيل المشترك بين أكاديمية زاد و منصة زادي
1️⃣ المساق الأول من حقيبة رياض الصالحين (1 /10)
-الوحدة الأولى (4/1)
📌4️⃣ الدرس الرابع (الروضة 4) (4/ 200)
📜 محتوى الدرس: الحديث 21 (2/1)
- رابط الملف الصوتي https://goo.gl/23TcxX
-رابط الدرس صيغة (pdf) للقراءة فقط https://goo.gl/k5qsQ7
📄 رابط الدرس (بصيغة يمكن النسخ منها والتعليق عليها) https://goo.gl/wA9Jcn
- رابط الدرس المرئي : https://youtu.be/-ND4u62fNCM
📚 الشرح الموسَّع - العثيمين - (للفائدة والاستزادة) من ص 119حتى 142 من المجلد الأول

اسئلة استيعاب الدرس


